الشيخ محمد رشيد رضا

301

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أمرهم انهم لم يستدلوا بما ذكر في الآية الأولى من البينات على التوحيد ، ولا بما ذكر في الثانية على البعث ، ولم ينظروا فيما يستلزمه كونه سبحانه هو اللّه في السماوات وفي الأرض ، المحيط علمه بالسر والجهر وكسب العبد ، بل يعطف على هذا ويزاد عليه أنهم أضافوا لي عدم الاهتداء بالآيات الثابتة الدائمة التي يرونها في الآفاق وفي أنفسهم ، عدم الاهتداء بالآيات المتجددة التي تهديهم إلى تلك وتبين لهم وجه دلالتها ، وهي آيات القرآن ، المرشدة إلى آيات الأكوان ، والمثبتة لنبوة محمد عليه الصلاة والسّلام ، وفي معناها كل ما يدل على نبوته ( ص ) من المعجزات ، وذلك انهم لا تأتيهم آية من هذه الآيات من عند ربهم - ولا يقدر عليها غيره - الا كانوا معرضين عنها ، غير متدبرين لمعناها ، ولا ناظرين فيما تدل عليه وتستلزمه فيهتدوا به . وأصل الاعراض التولي عن الشيء الذي يظهر به عرض المتولى المدبر عنه . أي فهم لهذا الاعراض عن النظر في الآيات المنزلة وما فيها من الاعجاز العلمي واللفظي يظلون معرضين عن الآيات الكونية الدائمة الدالة على أن هذا الرب الواحد الذي بيده ملكوت كل شيء هو الحقيق بالألوهية وحده ، وأنه لا يجوز أن يدعى غيره ولا أن يعبد سواه ، لان الربوبية والألوهية متلازمان . فالآيات الدالة على أن الرب واحد دالة أيضا على أنه هو الإله وحده ، ولولا إعراضهم عن النظر في ذلك والتأمل فيه عنادا من رؤسائهم ، وجمودا على التقليد من دهمائهم ، المانع من النظر والاستدلال ، لظهر لهم ظهورا لا يحتمل المراء ولا يقبل الجدال ، فالآية معطوفة على ما قبلها متممة لمعناه ، والمضارع المنفي فيها على إطلاقه دال على التجدد والاستمرار ، أو على بيان الشؤون وشرح الحقائق - كقوله تعالى ( اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ) - فلا يلاحظ فيه حال ولا استقبال ، وفي معنى هذه الآية آية أول سورة الشعراء وستأتي قريبا ، وآية في أول سورة الأنبياء وهي ( 21 : 2 ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ 3 لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) وقوله « مِنْ آيَةٍ » يدل على استغراق النفي أو تأكيده . وإضافة الآيات إلى الرب تفيد ان انزاله الوحي وبعثه للرسل وتأييدهم وهدايته للخلق بهم من مقتضى ربوبيته أي مقتضى كونه هو السيد المالك المربي لخلقه المدبر لأمورهم على الوجه